شرح زيارة السيدة أم المؤمنين (خديجة الكبرى، ع)
القسم الأول — الجزء الثاني
❞السَّلامُ عَلَیْک یا اُمَّ الْمُؤْمِنِینَ❝
السلام عليكِ يا أمّ المؤمنين
❞النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ❝
النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم [وأقرب إليهم]، وأزواجه أمّهاتهم
سورة الأحزاب المباركة، الآية الشريفة ٦
◀️ في القسم السابق بُحث معنى «الأمّ» وقيل إنّه بمعنى أصل الشيء وأساسه وجوهره. وأُشير أيضاً إلى أنّ السيدة خديجة الكبرى عليها السلام هي الأمّ الكريمة لأمّ الأئمّة والأبرار، فاطمة الزهراء عليها السلام. كما بُيّن في حديثٍ عن النبيّ صلى الله عليه وآله أنّ السيدة خديجة عليها السلام هي منبع أنوار الإمامة.
سنبيّن في هذا القسم أنّ السيدة أمّ المؤمنين عليها السلام ليست منبع أنوار الإمامة فحسب، بل هي أيضاً منبع ومصدر الذرّية المحمّدية ونسل السادة الفاطميين وكثرتهم في العالم. وفي معنىً عامّ، بحسب هذا المقطع من الزيارة، هي أمّ جميع المؤمنين في العالم.
وفي بيان أدلّة لقبها «ام المومنین» وعظمته، لا بدّ من الإشارة إلى هذه النكتة: أنّ هذا اللقب منحصرٌ بالسيدة خديجة الكبرى عليها السلام، كما بُيّن في القسم السابق أنّ باطن معنى «ازواجنا» في الآية الشريفة "هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ" يشير مطلقاً إلى السيدة خديجة.
كذلك يبيّن رسول الله صلى الله عليه وآله، في روايةٍ ستأتي، بلهجةٍ قاطعة أنّ المشيئة والإرادة الإلهية هي أن يُعطى رسول الله صلى الله عليه وآله الولد منحصراً وفقط من طريق السيدة خديجة الكبرى عليها السلام، وأنّ سائر أزواجه حُرمن هذه الموهبة.
وَ اللَّهِ لَقَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ النَّاسُ وَ آوَتْنِي إِذْ رَفَضَنِي النَّاسُ وَ صَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ وَ رُزِقَتْ مِنِّي الْوَلَدَ حَيْثُ حُرِمْتُمُوه
والله لقد آمنت بي حين كفر الناس، وآوتني حين رفضني الناس، وصدّقتني حين كذّبني الناس، ورُزقت منّي الولد حين حُرمتموه.
كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، ج ١، ص ٥١٢
إنّ مقام السيدة خديجة عليها السلام وشؤونها اللامتناهية من العظمة بحيث كان الأئمّة الأطهار عليهم السلام يباهون في مقام تعريف أنفسهم وانتسابهم إلى السيدة أمّ المؤمنين عليها السلام، كما جاء في روايةٍ عن الإمام الحسن عليه السلام:
کُنْتُ اَنَا اَشْبَهَ النَّاسِ بِخَدِیجَةَ الْکُبْرَی
إنّي أنا [الإمام الحسن عليه السلام] أشبه الناس بالسيدة خديجة الكبرى عليها السلام.
مناقب ابن شهرآشوب، ج ٤، ص ٢
وفي باب كثرة السادة الفاطميين، الذين منشؤهم السيدة خديجة الكبرى عليها السلام، جاء أنّه لمّا وُلدت السيدة الزهراء عليها السلام قيل للسيدة خديجة:
خُذِيهَا يَا خَدِيجَةُ طَاهِرَةً مُطَهَّرَةً زَكِيَّةً مَيْمُونَةً بُورِكَ فِيهَا وَ فِي نَسْلِهَا
«خذيها يا خديجة طاهرةً مطهّرةً زكيّةً ميمونةً، بورك فيها وفي نسلها.»
الأمالي للصدوق، ص ٥٩٥
والسيدة خديجة الكبرى عليها السلام هي أيضاً أمّ جميع المؤمنين، وجميع المؤمنين في كهف حصین لها يأوون. كما جاء في وصف تضحياتها ونصرتها لرسول الله صلى الله عليه وآله أنّها بذلت كلّ وجودها وثروتها فداءً للنبيّ صلى الله عليه وآله، حتى إنّها لولاها لما انتشر الإسلام.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
«ما نفعني مالٌ قطّ كما نفعني مال خديجة.»
كان رسول الله صلى الله عليه وآله يفكّ بمال السيدة خديجة عليها السلام الغارمين من ديونهم، ويطلق الأسرى والمكروبين، ويتحمّل عبء ونفقة من لا يقدر على إعالة نفسه، ويجود في الحوادث والنوازل، ويعين فقراء أصحابه أيّام إقامته بمكّة.
البرهان في تفسير القرآن، ج ٢، ص ٦٧٥
أو جاء في روايةٍ أخرى:
قام أساس دين الإسلام وتقدّمه على ثلاثة أشياء: مال خديجة، وخُلُق النبيّ، وسيف عليّ.
أطيب البيان، ج ٤
كانت السيدة خديجة الكبرى عليها السلام الأمّ الكريمة للسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام التي منها نسل الأئمّة، وهي أيضاً منبع كثرة الذرّية المحمّدية والسادة الفاطميين في العالم. وهي السيدة خديجة الكبرى عليها السلام التي كانت دائماً نصيرةً لرسول الله صلى الله عليه وآله وأحد أركان انتشار الإسلام؛ فجميع المؤمنين إلى الأبد في كنف كهف حصین لها، وفي هذا المقطع من الزيارة نسلّم عليها بلقب «ام المومنین».
❖ ❖ ❖