فضائل زيارة السيدة فاطمة المعصومة (ع)
جميع المقالات
مقالة ~١٠ دقيقة قراءة

فضائل زيارة السيدة فاطمة المعصومة (ع)

تاريخ التحديث: 27 سبتمبر

شاهد الفيديو

فضائل زيارة السيدة فاطمة المعصومة (ع)

القسم الأول

تَتَجَلَّى مَكَانَةُ السَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ الْمَعْصُومَةِ، وَعُلُوُّ مَنْزِلَتِهَا فِي كَلِمَاتِ أَبِيهَا الْجَلِيلِ، الْإِمَامِ مُوسَى الْكَاظِمِ ، حِينَ قَالَ فِي حَقِّهَا:

فِیدَاهَا أَبُوهَا.

وَالسَّيِّدَةُ فَاطِمَةُ الْمَعْصُومَةُ،
مِنْ أَجَلِّ نِسَاءِ بَيْتِ الْعِصْمَةِ وَالطَّهَارَةِ وَأَرْفَعِهِنَّ مَنْزِلَةً.
وَبَعْدَ أَنْ تَلَقَّتْ رِسَالَةً مِنْ أَخِيهَا الْعَزِيزِ، الْإِمَامِ الرِّضَا، غَادَرَتِ الْمَدِينَةَ الْمُنَوَّرَةَ مُتَوَجِّهَةً نَحْوَ خُرَاسَانَ، وَقَلْبُهَا يَفِيضُ شَوْقًا إِلَى لِقَائِهِ. وَلَكِنَّ ذَلِكَ اللِّقَاءَ لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ أَنْ يَتَحَقَّقَ؛ فَفِي أَثْنَاءِ رِحْلَتِهَا، وَصَلَتْ إِلَى مَدِينَةِ قُمٍّ، حَيْثُ ارْتَحَلَتْ عَنْ هَذِهِ الدُّنْيَا.
فَأَصْبَحَتْ قُمٌّ مَثْوَاهَا وَمَوْضِعَ مَرْقَدِهَا الشَّرِيفِ، وَأَضْحَى حَرَمُهَا الْمُطَهَّرُ مَقْصِدًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ بَشَّرَ أَهْلُ الْبَيْتِ زَائِرَهَا بِالْجَنَّةِ.
وَلِمَدِينَةِ قُمٍّ وَ حَرَمِهَا الشَّرِيفِ مَكَانَةٌ خَاصَّةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْبَيْتِ.
فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الصَّادِق:
وَإِنَّ لَنَا حَرَمًا وَهُوَ بَلْدَةُ قُمّ، وَسَتُدْفَنُ فِيهَا امْرَأَةٌ مِنْ أَوْلَادِي تُسَمَّى فَاطِمَةَ، فَمَنْ زَارَهَا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الرِّضَا لِسَعْدٍ:
يَا سَعْدُ، عِنْدَكُمْ لَنَا قَبْرٌ.
فَقَالَ سَعْدٌ: جُعِلْتُ فِدَاكَ! قَبْرُ فَاطِمَةَ بِنْتِ مُوسَى عَلَيْهَا السَّلَامُ؟
فَقَالَ الْإِمَامُ: نَعَمْ، مَنْ زَارَهَا عَارِفًا بِحَقِّهَا فَلَهُ الْجَنَّةُ.
وَلِزِيَارَةِ السَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ الْمَعْصُومَةِ فَضْلٌ عَظِيمٌ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْإِمَامِ الرِّضَا أَنَّهُ قَالَ: مَنْ زَارَهَا كَمَنْ زَارَنِي.
وَمِنْ عَظِيمِ عِنَايَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ بِشِيعَةِ آلِ اللهِ، أَنْ جَعَلَ لَنَا، عِوَضًا عَنْ قَبْرِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ، الَّذِي خَفِيَ مَوْضِعُهُ عَنَّا، تُرْبَةً طَاهِرَةً دَلَّنَا عَلَيْهَا، تَفُوحُ مِنْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ؛ لِتَكُونَ لَنَا عِوَضًا عَنْ تِلْكَ التُّرْبَةِ الْخَفِيَّةِ لِأُمِّنَا فَاطِمَةَ.
وَالْآنَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا غَيْضًا مِنْ فَيْضِ مَقَامِ السَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ الْمَعْصُومَةِ، وَشَيْئًا مِنْ فَضَائِلِهَا وَمَنَاقِبِهَا الَّتِي لَا تُحْصَى، فَلْنُوَجِّهْ قُلُوبَنَا، أَيْنَمَا كُنَّا، نَحْوَ حَرَمِهَا النُّورَانِي، وَلْنَزُرْهَا بِعَيْنِ الْقَلْبِ، وَلْنَقِفْ بِأَرْوَاحِنَا بَيْنَ يَدَيْهَا.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى فَاطِمَةَ الْمَعْصُومَةِ، وَأَبِيهَا الْإِمَامِ الْكَاظِمِ، وَأَخِيهَا الْإِمَامِ الرِّضَا الْمُرْتَضَى، وَابْنِ أَخِيهَا الْإِمَامِ الْجَوَادِ، بِعَدَدِ مَا أَحَاطَ بِهِ عِلْمُكَ.

القسم الثاني

وَرَدَ فِي الرِّوَايَاتِ فِي فَضْلِ زِيَارَةِ السَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ الْمَعْصُومَةِ سَلَامُ اللهِ عَلَيْهَا:
«مَنْ زَارَهَا عَارِفًا بِحَقِّهَا فَلَهُ الْجَنَّةُ.»

وَالْجَنَّةُ هِيَ ذَلِك المُلک الْعَظِيمُ لِلْوَلَايَه، اَلَّذِي يَسْتَقِرُّ فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ، كُلٌّ بِقَدْرِ مَا نَالَهُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِالْمَقَامِ الْمُقَدَّسِ لِلْإِمَامِ.

وَتُبَيِّنُ رِوَايَاتُ الْمَعْصُومِينَ أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى بُلُوغِ هَذَا الْمَقَامِ يَكْمُنُ فِي مَعْرِفَةِ الْمَقَامِ الْمُقَدَّسِ لِلسَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ الْمَعْصُومَةِ.
وَإِنْ كَانَتِ الْعُقُولُ عَاجِزَةً عَنْ بُلُوغِ كُنْهِ مَعْرِفَةِ هَذَا الْمَقَامِ الْقُدْسِيِّ، فَإِنَّنَا لَا نُشِيرُ فِي هَذَا الْمَقَامِ إِلَّا إِلَى قَطْرَةٍ مِنْ بَحْرِ فَضَائِلِ زِيَارَتِهَا.
وَمِنْ بَيْنِ بَنَاتِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ وَذُرِّيَّتِهَا مِنَ النِّسَاءِ، تَخْتَصُّ السَّيِّدَةُ فَاطِمَةُ الْمَعْصُومَةُ بِزِيَارَةٍ مَأْثُورَةٍ وَرَدَتْ عَنِ الْإِمَامِ الرِّضَا.
وَزِيَارَةُ السَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ الْمَعْصُومَةِ هِيَ، بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، زِيَارَةٌ جَامِعَةٌ؛ فَمَعَ أَنَّهَا ابْنَةُ إِمَامٍ، فَإِنَّنَا نُسَلِّمُ فِي زِيَارَتِهَا عَلَى جَمِيعِ الْمَعْصُومِينَ. نَبْدَأُ بِالسَّلَامِ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللهِ، ثُمَّ نَدْخُلُ إِلَى الرِّحَابِ الْقُدْسِيَّةِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ.
وَمَضْجَعُ السَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ الْمَعْصُومَةِ تُرْبَةٌ تَفُوحُ مِنْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ، وَهُوَ عَلَامَةٌ تُشِيرُ إِلَى الْقَبْرِ الْخَفِيِّ لِفَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ سَلَامُ اللهِ عَلَيْهَا.
وَيُمْكِنُنَا أَنْ نَرَى دَلِيلَ هَذِهِ الصِّلَةِ الْعَمِيقَةِ مُنْذُ بِدَايَةِ الزِّيَارَةِ: أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً؛ وَهُوَ نَفْسُ تَسْبِيحِ السَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ.
بَعْدَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً مِنَ التَّوَسُّلِ لِمَعْرِفَةِ مَوْضِعِ مَدْفَنِ السَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ، سَمِعَ آيَةُ اللهِ الْمَرْعَشِيُّ فِي عَالَمِ الرُّؤْيَا:
«عَلَيْكُمْ بِكَرِيمَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ.»
وَذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَدْ أَرَادَ أَنْ يَبْقَى مَدْفَنُ السَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ خَفِيًّا، وَأَنْ يَكُونَ مَضْجَعُ السَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ الْمَعْصُومَةِ مَظْهَرًا لِذَلِكَ الْمَدْفَنِ الْخَفِيِّ.
وَنَحْنُ، الَّذِينَ نَحْمِلُ مَعَنَا عَالَمًا مِنَ الظُّلْمَةِ وَنَطْمَحُ إِلَى الدُّخُولِ فِي حَرِيمِ النُّورِ وَهَذِهِ الرَّوْضَةِ الْمَلَكُوتِيَّةِ، لَا بُدَّ لَنَا أَنْ نَتَمَسَّكَ وَنَسْتَعِينَ بِجَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ، لِنَنَالَ مِنْ فُيُوضَاتِ الْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالنُّورِ الْجَارِيَةِ فِي هَذَا الْحَرِيمِ. وَلِهَذَا نَقُولُ فِي زِيَارَتِهَا:
«فَكُونُوا مَلَائِكَةَ اللهِ أَعْوَانِي، وَكُونُوا أَنْصَارِي، حَتَّى أَدْخُلَ هَذِهِ الرَّوْضَةَ الشَّرِيفَةَ الْمُبَارَكَةَ.»

القسم الثالث

في الكلمات النورانية لأهل البيت عليهم السلام، وُصِفَ الحرم القدسي والملكوتي للسيدة فاطمة المعصومة سلام الله عليها بأنه «عُشُّ آل محمد عليهم السلام»؛ حيث ورد:

«قُمُّ عُشُّ آلِ مُحَمَّدٍ وَمَأْوَى شِيعَتِهِمْ.»

والعُشُّ هو مأوى الطائر على أغصان الشجر؛ وهو المكان الذي يأوي إليه الطائر، فيسكن ويطمئن فيه، ويبسط جناحيه، ويأمن من كل أذى.

ولكن، من هو هذا «الطائر» الذي يمكنه أن يجد السكينة في هذا العش؟

في روايات أهل البيت عليهم السلام، «الطائر» هو ذلك الوجود الذي له سير ملكوتيّ؛ من ينال المعرفة النورانية بالإامام، ويحمل معارف آل محمد عليهم السلام ــ وهي حقيقة فهم الدين ــ فيجوب بها آفاق السماوات.

وهذا الحرم القدسي ليس عشًّا فحسب، بل هو أيضا درع وحصن حصين.

ففي ليلة المعراج، حين رأى رسول الله إبليس اللعين فوق تلك الأرض، وهو يحاول أن يصد الشيعة عن ولاية أمير المؤمنين، طرده منها وقال له:

«قُمْ يَا مَلْعُونُ!»

ومن هنا، فإن المؤمن الذي يدخل هذا الملجأ والحصن متممسكا بالولاية، يكون في أمان من الفتن والبلايا.

ويؤيدد هذا المعنى حديثُن عن الإمام الصادق عليه السلام، حيث قال:

«إِذَا أَصَابَتْكُمْ بَلِيَّةٌ وَعَنَاءٌ فَعَلَيْكُمْ بِقُمْ، فَإِنَّهُ مَأْوَى الْفَاطِمِيِّينَ.»

وفي رواية أخرى، بشر الإمام عليه السلام شيعته ببشارة عظيمة، حيث قال:

«إِنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ، ثَلَاثَةٌ مِنْهَا إِلَى قُمّ، تُقْبَضُ فِيهَا امْرَأَةٌ مِنْ وُلْدِي اسْمُهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُوسَى، وَتُدْخِلُ بِشَفَاعَتِهَا شِيعَة الْجَنَّةِ بِأَجْمَعِهِمْ.»

والسيدة فاطمة المعصومة مألوفة منذ القدم لقلوب المؤمنين، وهذه الألفة هي مما جعله الله بيننا وبينها؛ كما نقول في زيارتها:

«عَرَّفَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَحَشَرَنَا فِي زُمْرَتِكُمْ، وَأَوْرَدَنَا حَوْضَ نَبِيِّكُمْ.»

ومن هذا العش الملكوتيّ، نطلب تلك البشارة التي بشر بها الإمام الصادق، ونقول:

«يَا فَاطِمَةُ، اشْفَعِي لِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِنَّ لَكِ عِنْدَ اللهِ شَأْنًا مِنَ الشَّأْنِ.»

القسم الرابع

إِنَّ السَّيِّدَةَ فَاطِمَةَ الْمَعْصُومَةَ سَلَامُ اللهِ عَلَيْهَا هِيَ «كَوْثَرُ عَالِمِ آلِ مُحَمَّدٍ، الْإِمَامِ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ»، وَإِنَّ عَتَبَتَهَا الْمُقَدَّسَةَ هِيَ فِي حَقِيقَتِهَا بَيْتٌ مِنْ بُيُوتِ اللهِ الَّتِي «أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ»؛ بَيْتٌ يَعْلُو فِيهِ ذِكْرُ اللهِ، الَّذِي هُوَ مَعْرِفَةُ عِلْمِ آلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ يَتُوقُ إِلَى الِارْتِوَاءِ مِنْ مَعِينِ هَذَا الْكَوْثَرِ اللَّامُتَنَاهِي مِنَ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ وَالْمَعْرِفَةِ، يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ بُلُوغَ ذَلِكَ لَا يَتَيَسَّرُ إِلَّا بِإِظْهَارِ الْوَلَاءِ وَالِاعْتِصَامِ بِعَتَبَتِهَا الْمُقَدَّسَةِ.
وَهَذَا أَمْرٌ تَجَلَّى فِي سِيَرِ الْعُلَمَاءِ بِصُوَرٍ شَتَّى؛ مِنِ اهْتِمَامِهِمْ بِإِقَامَةِ الدُّرُوسِ الْعِلْمِيَّةِ فِي رِحَابِهَا، إِلَى تَمَنِّيهِمْ أَنْ يَكُونَ مَثْوَاهُمُ الْأَخِيرُ فِي جِوَارِهَا. وَنُشِيرُ هُنَا إِلَى نَمَاذِجَ مِنْ ذَلِكَ:
ظَلَّ الْمَرْحُومُ آيَةُ اللهِ السَّيِّدُ مَحْمُودٌ الْمَرْعَشِيُّ سَنَوَاتٍ يَبْحَثُ عَنِ الْمَثْوَى الْخَفِيِّ لِلسَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ سَلَامُ اللهِ عَلَيْهَا. فَرَأَى فِي الْمَنَامِ مَنْ يَأْمُرُهُ قَائِلًا:
«إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَوْدَعَ عَظَمَةَ تِلْكَ السَّيِّدَةِ وَجَلَالَهَا وَجَبَرُوتَهَا فِي هَذِهِ الدَّارِ فِي كَرِيمَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ.»
وَلِذَلِكَ أَوْصَى أُسْرَتَهُ بِأَنْ يَعْتَكِفُوا عِنْدَ هَذِهِ الْعَتَبَةِ الْمُقَدَّسَةِ.
وَكَتَبَ نَجْلُهُ، الْمَرْحُومُ السَّيِّدُ شِهَابُ الدِّينِ الْمَرْعَشِيُّ النَّجَفِيُّ، فِي وَصِيَّتِهِ:
«ضَعُوا جَنَازَتِي عَلَى الْمَرْقَدِ الْمُطَهَّرِ لِلسَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ الْمَعْصُومَةِ، وَارْبِطُوا أَحَدَ طَرَفَيْ عِمَامَتِي بِالضَّرِيحِ الْمُطَهَّرِ، وَالطَّرَفَ الْآخَرَ بِتَابُوتِي، ثُمَّ اقْرَؤُوا مُصِيبَةَ وَدَاعِ مَوْلَايَ الْحُسَيْنِ الْمَظْلُومِ مَعَ أَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ.»
وَكَانَ الْمَرْحُومُ الْعَلَّامَةُ الطَّبَاطَبَائِيُّ، فِي كُلِّ غُرُوبٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ تَقَدُّمِ سِنِّهِ، يَمْشِي إِلَى الْحَرَمِ الشَّرِيفِ؛ فَيُقَبِّلُ الضَّرِيحَ، وَيُفْطِرُ هُنَاكَ.
وَقَالَ الْمَرْحُومُ آيَةُ اللهِ الْخُوَانْسَارِيُّ:
«لَقَدْ خَتَمْتُ الْقُرْآنَ أَرْبَعِينَ مَرَّةً، وَأَهْدَيْتُ ثَوَابَهَا إِلَى الْحَضْرَةِ الْمُقَدَّسَةِ لِلسَّيِّدَةِ الْمَعْصُومَةِ، وَسَأَلْتُهَا أَنْ تَمْنَحَنِي قَبْرًا فِي الْحَرَمِ.»
وَأَمَّا الْمَرْحُومُ آيَةُ اللهِ الْبُرُوجِرْدِيُّ، فَعِنْدَمَا جَاءَ مَلِكُ إِحْدَى الدُّوَلِ إِلَى قُمَّ يَوْمًا لِزِيَارَتِهِ، امْتَنَعَ عَنْ اسْتِقْبَالِهِ وَقَالَ:
«مَلِكٌ يَأْتِي لِزِيَارَتِي وَلَا يَذْهَبُ لِزِيَارَةِ السَّيِّدَةِ الْمَعْصُومَةِ، فَيُسِيءُ بِذَلِكَ الْأَدَبَ؛ إِنَّ هَذَا هَتْكٌ لِحُرْمَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَلَا أَسْتَطِيعُ تَحَمُّلَهُ.»
سَيِّدَتِي وَمَوْلَاتِي يَا فَاطِمَةُ الْمَعْصُومَةُ:
«أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُرِيَنَا فِيكُمُ السُّرُورَ وَالْفَرَجَ، وَأَنْ يَجْمَعَنَا وَإِيَّاكُمْ فِي زُمْرَةِ جَدِّكُمْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ»

القسم الخامس

آيَاتُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ مِنَ الْمَعَارِفِ وَالْحَقَائِقِ الْإِلَهِيَّةِ؛ وَتَحْتَ كُلِّ كَلِمَةٍ وَكُلِّ تَعْبِيرٍ مِنْهَا مَرَاتِبُ مِنَ الْمَعْنَى مَخْبُوءَةٌ.
وَفِي سُورَةِ الشَّمْسِ الْمُبَارَكَةِ، يَكْشِفُ اللهُ تَعَالَى بِالْقَسَمِ بِـ«الشَّمْسِ» وَ«الْقَمَرِ» عَنْ حَقِيقَةٍ تَتَجَاوَزُ شَمْسَ السَّمَاءِ وَقَمَرَهَا:
«وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ۝ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا»؛ قَسَمًا بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا فِي الصَّبَاحِ، وَالْقَمَرِ إِذَا تَتَبَّعَ أَثَرَهَا.
وَفِي لِسَانِ الرِّوَايَاتِ، «الشَّمْسُ» تَجَلٍّ لِوُجُودِ الْإِمَامِ الْمُقَدَّسِ؛ تِلْكَ الشَّمْسُ الَّتِي تُشْرِقُ أَنْوَارُ وِلَايَتِهَا عَلَى النُّفُوسِ، فَتُطَهِّرُ الْقُلُوبَ وَتَفْتَحُ لِلْخَلَائِقِ طَرِيقَ الْهِدَايَةِ.
وَمِنْ بَيْنِ الذَّوَاتِ الْمُقَدَّسَةِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ، لُقِّبَ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ بِـ«شَمْسِ الشُّمُوسِ».
وَلَكِنْ فِي إِثْرِ هَذِهِ الشَّمْسِ، قَمَرٌ اسْتَمَدَّ نُورَهُ مِنْهَا وَنَشَرَهُ فِي بُلْدَانٍ أُخْرَى؛ وَهُنَاكَ سَيِّدَتُنَا فَاطِمَةُ الْمَعْصُومَةُ سَلَامُ اللهِ عَلَيْهَا، أُخْتُ الْإِمَامِ الرِّضَا، السَّيِّدَةُ الَّتِي تُجَسِّدُ فِي هَذَا التَّعْبِيرِ حَقِيقَةَ «وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا».
وَمَا أَجْمَلَ تَجَلِّيَ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَسِيرَةِ حَيَاتِهَا الْمُبَارَكَةِ!
عِنْدَمَا سِيقَ الْإِمَامُ الرِّضَا مِنَ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ نَحْوَ خُرَاسَانَ، خَرَجَتْ سَيِّدَتُنَا فَاطِمَةُ الْمَعْصُومَةُ أَيْضًا مُتَوَجِّهَةً مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى خُرَاسَانَ، لَوْعَةً بِفِرَاقِ أَخِيهَا وَشَوْقًا لِرُؤْيَةِ إِمَامِهَا.  وَكَأَنَّ قَمَرًا كَانَ يَسِيرُ فِي أَثَرِ شَمْسِهِ.
تَحَرَّكَ مَوْكِبُ السَّيِّدَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ؛ وَكُلُّ مَنْ تَفَرَّقَ فِي هَذَا الطَّرِيقِ مِنَ السَّادَةِ الْمُوسَوِيِّينَ وَالْأَبْنَاءِ الْأَطْهَارِ لِلْأَئِمَّةِ، حَمَلُوا مَعَهُمْ إِلَى الْأَرَاضِي الَّتِي اسْتَوْطَنُوهَا لَاحِقًا شُعَاعًا مِنْ أَنْوَارِ وِلَايَةِ «شَمْسِ الشُّمُوسِ».
وَكَانَ مِنْ بَيْنِهِمْ ذَلِكَ الْقَمَرُ الرَّضَوِيُّ الَّذِي سَاقَتْهُ الْمَقَادِيرُ الْإِلَهِيَّةُ إِلَى أَرْضِ قُمٍّ.  فَجَعَلَ وُجُودُهَا الْمُقَدَّسُ مِنْ قُمٍّ مَرْكَزًا لِنَشْرِ نُورِ الْوِلَايَةِ الرَّضَوِيَّةِ؛ لِكَيْ تَنْتَشِرَ مِنْ جِوَارِ هَذِهِ السَّيِّدَةِ الْفَاطِمِيَّةِ مَعَارِفُ آلِ مُحَمَّدٍ، وَتَجِدَ النُّفُوسُ الْمُشْتَاقَةُ طَرِيقَهَا نَحْوَ شَمْسِ الْوِلَايَةِ.
وَلَمْ يَبْقَ هَذَا النُّورُ مَحْصُورًا فِي جُغْرَافِيَّةِ قُمٍّ وَحْدَهَا؛ بَلِ انْطَلَقَ الْعِلْمُ وَمَعَارِفُ آلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مِنْ هَذِهِ الْعَتَبَةِ الْمُقَدَّسَةِ إِلَى مُخْتَلَفِ الْبِقَاعِ، لِتَهْتَدِيَ الْقُلُوبُ الْمُشْتَاقَةُ بِنُورِ تِلْكَ الْأَنْوَارِ إِلَى طَرِيقِ الْحَقِّ وَالتَّوْحِيدِ وَالْوِلَايَةِ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى السَّيِّدِ الْمَعْصُومِ، شَمْسِ الشُّمُوسِ، أَنِيسِ النُّفُوسِ، عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ.

القسم السادس

بين أهل البيت عليهم السلام، ترقد سيدةٌ جليلةٌ تحدّث الأئمة الأطهار عليهم السلام عن مقامها ومنزلتها قبل ولادتها بسنوات؛ سيدةٌ من سلالة النبوّة والإمامة، ابنةُ الإمام موسى بن جعفر، وأختُ الإمام الرضا، وعمّةُ الإمام الجواد عليهم السلام؛ كريمةُ أهل البيت، السيدة فاطمة المعصومة سلام الله عليها.

سيدةٌ جعلت كلماتُ المعصومين عليهم السلام معرفةَ حقّها ومقامها شرطاً للتقرّب وقبول زيارة العبد.

هي «كريمةُ أهل البيت». والكرم جامعٌ للخير والجود والفضيلة؛ ومن هنا كان حرمها المقدّس منبعاً للفيض، ومأمناً للعباد، وملجأً للخلق، وباباً من أبواب الرحمة الإلهية.

وهي «المعصومة». والعصمة من أصل «العَصْم»، بمعنى الحفظ والصيانة؛ ومن هنا فإنّ المؤمنين، بالالتجاء إلى ساحتها المقدّسة والتمسّك بها، يسلكون طريق التطهير والتحصّن من الظلمات والأدناس.

وهي «كوثرُ الرضا»؛ والكوثر يعني «الخير الكثير». وفي هذا المقام، كان وجودها المبارك منبعاً لنشر علوم آل محمد عليهم السلام وتكثيرها، كما أصبحت مدينة قم، ببركة وجودها، مركزاً لنشر معارف آل محمد عليهم السلام.

وما أجمل أن تكون هي نفسها عالمةً؛ سيدةٌ كانت، وهي في سنٍّ صغيرة، تجيب عن أسئلة الشيعة في غياب أبيها الجليل، فلمّا اطّلع الإمام الكاظم عليه السلام على أجوبتها، قال ثلاث مرات:

«فِدَاهَا أَبُوهَا».

ومن ألقابها أيضاً «الشفيعة». وقد قال الإمام الصادق عليه السلام في مقام شفاعتها:

«تَدْخُلُ بِشَفَاعَتِهَا شِيعَتِي الْجَنَّةَ بِأَجْمَعِهِمْ».

ومن هنا، فإننا في الزيارة المأثورة لهذه السيدة الجليلة نسأل الله تعالى دوام المعرفة بأهل البيت عليهم السلام، والثبات على ولايتهم، ونيل شفاعة السيدة المعصومة سلام الله عليها.

وهذه المعرفة هي بداية التمسّك.

التمسّك بأذيال سيدةٍ كان حرمها مأوى للشيعة، وأصبحت قم ببركة وجودها مركزاً لعلوم آل محمد عليهم السلام؛ ليجتمع العلماء والفقهاء حول هذه الشمس الفاطمية، ويحفظوا مصباح معارف أهل البيت عليهم السلام متّقداً.

وفي نهاية المطاف، تبلغ ثمرة هذا الاجتماع والاعتصام تلك الأمنية العظمى: فرج آل محمد عليهم السلام، وظهور مولانا بقية الله الأعظم عجل الله تعالى فرجه الشريف.

وما أجمل أن توجّه زيارةُ هذه السيدة الكريمة نظرَ الزائر، في ختامها، نحو ذلك الصباح الموعود، حين تقول:

«أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُرِيَنَا فِيكُمُ السُّرُورَ وَالْفَرَجَ».
❖   ❖   ❖