السيدة خديجة الكبرى أم المؤمنين عليها السلام
ربيع الأول  ·  مقالة

فضائل ومكارم السيدة الجليلة أم المؤمنين
خديجة بنت خويلد عليها السلام

أمّ المؤمنين خديجة الكبرى بنت خويلد عليها السلام
جميع المقالات
مقالة ربيع الأول  ·  العاشر — زواج السيدة خديجة ~١٥ دقيقة قراءة

فضائل ومكارم السيدة الجليلة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد عليها السلام

أمّ المؤمنين خديجة الكبرى بنت خويلد عليها السلام

يستعرض هذا المقال بعض أعظم فضائل السيدة خديجة بنت خويلد عليها السلام، أمّ المؤمنين وزوجة رسول الله الحبيبة، كما وردت في القرآن الكريم وفي أقوال النبي وأهل بيته الأطهار عليهم السلام.

القسم الأول

خديجة، نعمة إلهية خاصة للرسول الكريم

وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ✦ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ✦ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى سورة الضحى، الآيات 5 و6 و8

من أعظم النعم الدنيوية التي منّ الله تعالى بها على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وجود السيدة خديجة عليها السلام، تلك السيدة الجليلة التي كانت أنيسته وسكنه، ومن رحمها الطاهر وُلدت فاطمة الزهراء عليها السلام.

وفي تفسير قوله تعالى: «وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى»، يُروى عن ابن عباس أن المراد أن الله أغنى النبي صلى الله عليه وآله بخديجة عليها السلام.[1، 2]

خديجة، مصدر السكينة للرسول الكريم

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً سورة الروم، الآية 21

يقول ابن إسحاق المؤرّخ: «كانت خديجة الوزيرة الصادقة لرسول الله صلى الله عليه وآله في أمر الإسلام، وكان صلى الله عليه وآله يسكن إليها».

والوزير هو من يحمل العبء ويتكفّل بثقله، وقد وهبت خديجة نفسها ومالها لخدمة الإسلام. فمن كان رحمة للعالمين وجد السكينة إلى جانبها، وهي منزلة لا يدرك حقيقة عظمتها إلا معصوم.[3]

❖   ❖   ❖
القسم الثاني

حاملة نور فاطمة الزهراء ومرضعتها

من أعظم فضائل خديجة عليها السلام أن نور سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام استُودِع في رحمها الطاهر.

يُروى أن خديجة اشتهت أن تتذوّق شيئًا من ثمار الجنة، فنزل جبرئيل بتفاحتين من الجنة، وأبلغها أمر الله أن يأكل النبي واحدة وخديجة الأخرى، وقال: «فإني سأخلق منكما فاطمة الزهراء».

ومنذ ذلك الحين، كان النبي صلى الله عليه وآله كلما اشتاق إلى الجنة قبّل فاطمة وقال: «فاطمة حوراء آدمية».[4، 5]

وكانت خديجة عليها السلام أيضًا مرضعة فاطمة عليها السلام؛ فكما كان رحمها الطاهر أطهر رحم حمل أمّ الأئمة، كذلك كانت أول رضاعة لفاطمة من هذه السيدة العظيمة.

❖   ❖   ❖
القسم الثالث

الله ورسوله يفتخران بخديجة، وارتباط الأئمة الكريم بها

لما أراد الله تعالى أن يبارك العالم بولادة فاطمة عليها السلام، أمر النبي صلى الله عليه وآله أن يبتعد عن خديجة أربعين يومًا. وفي هذه الفترة أرسل النبي إلى خديجة يخبرها أن هذا الابتعاد ليس عن غضب أو نفرة، بل هو أمر إلهي، وأن الله يفتخر بها أمام ملائكته عدة مرات كل يوم.

يَا خَدِيجَةُ! لاَ تَظُنِّي أَنَّ اِنْقِطَاعِي عَنْكِ هِجْرَةٌ وَلاَ قِلًى، وَلَكِنْ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَنِي بِذَلِكَ… فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيُبَاهِي بِكِ كِرَامَ مَلاَئِكَتِهِ كُلَّ يَوْمٍ مِرَاراً

[6، 7]

تروي أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا ذُكرت خديجة يبكي ويقول:

خَدِيجَةُ وَأَيْنَ مِثْلُ خَدِيجَةَ، صَدَّقَتْنِي حِينَ كَذَّبَنِي النَّاسُ وَوَازَرَتْنِي عَلَى دِينِ اللَّهِ وَأَعَانَتْنِي عَلَيْهِ بِمَالِهَا

وقد أمره الله تعالى أن يبشّرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب.[8، 9، 10]

وقد عرّف النبي صلى الله عليه وآله الإمامين الحسن والحسين بقوله:

أَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى خَيْرِ النَّاسِ جَدًّا وَجَدَّةً؟ اَلْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ فَإِنَّ جَدَّهُمَا مُحَمَّدٌ وَجَدَّتَهُمَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ

[11، 12، 13]

وتقول السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام أيضًا في خطبتها المفاخِرة:

وَأَنَا ابْنَةُ خَدِيجَةَ الْكُبْرَى  ·  أَنَا بِنْتُ الصَّالِحَاتِ وَالْمُؤْمِنَاتِ

[14]
❖   ❖   ❖
القسم الرابع

الأئمة المعصومون يفتخرون بانتسابهم إلى خديجة

لقد أعرب الأئمة المعصومون عليهم السلام مرارًا عن فخرهم بجدتهم الجليلة خديجة الكبرى. نقرأ في زيارة الوارث:

السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ خَدِيجَةَ الْكُبْرَى

وكان الإمام علي عليه السلام، الذي نشأ منذ صغره في بيت النبي وخديجة، يعدّ خديجة كالأم له. وقال:

خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ أَرْبَعٌ: خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ

[15]

وقال الإمام الحسن المجتبى عليه السلام:[16]

كُنْتُ أَنَا أَشْبَهَ النَّاسِ بِخَدِيجَةَ الْكُبْرَى

وقال الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء:[17]

أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَدَّتِي خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ أَوَّلُ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِسْلَامًا؟

وقال الإمام السجاد عليه السلام، وهو أسير في الشام، بفخر:

أَنَا ابْنُ خَدِيجَةَ الْكُبْرَى

وقد بيّن الإمام الصادق عليه السلام أيضًا سبب زواجها من النبي صلى الله عليه وآله؛ فقد كانت خديجة سيدة قريش الأولى، وردّت عروض الزواج من كبار رجالها وسادتها، وإنما اختارت الزواج من النبي بسبب ما سمعته من أهل المعرفة عن صفاته الكريمة.[18، 19، 20]

وفي دعاء الندبة يوصف الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه أيضًا بأنه:

ابْنِ خَدِيجَةَ الْغَرَّاء

[21]
❖   ❖   ❖
القسم الخامس

التحية الخاصة من الله وجبرئيل إلى خديجة

روى الإمام الباقر عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال إنه في ليلة المعراج، وعند عودته، سأل جبرئيل هل له من حاجة. فأجاب جبرئيل أن حاجته أن يبلّغ النبي خديجة سلام الله وسلامه هو. وحين أدّى النبي هذه التحية، ردّت خديجة:

إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ وَمِنْهُ السَّلَامُ وَإِلَيْهِ السَّلَامُ وَعَلَى جَبْرَئِيلَ السَّلَامُ

[22، 23، 24، 25]

وفي رواية أخرى، قال جبرئيل للنبي إن خديجة كلما أتته بوعاء من الطعام، فليبلّغها سلام ربها وسلام جبرئيل، وليبشّرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب.[26، 27]

❖   ❖   ❖
القسم السادس

إثبات المكانة الفريدة لـ«أم المؤمنين» للسيدة خديجة

الفرع الأول: أعظم زوجات النبي ومن أوائل المقرّبين إلى الله

بعد وفاة خديجة، قال النبي الكريم صلى الله عليه وآله: «خديجة، وأين مثل خديجة». ووصفها أيضًا بأنها من أجمل النساء، وأكملهنّ عقلًا ورأيًا، وأسبقهنّ إلى العفة والإيمان والحياء والشرف والمال.[28]

وكانت خديجة أيضًا أول من قَبِل ولاية أمير المؤمنين عليه السلام في مطلع بعثة النبي. وقال النبي لها:

يَا خَدِيجَةُ! هَذَا عَلِيٌّ مَوْلاَكِ وَمَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ وَإِمَامُهُمْ بَعْدِي

فردّت خديجة:

صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ بَايَعْتُهُ عَلَى مَا قُلْتَ

[29، 30، 31]

وقال النبي لفاطمة عليها السلام: «أُمُّكِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أَوَّلُ الْمُؤْمِنَاتِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ».

وفي قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾، قال النبي إن أسبق المقرّبين هم رسول الله وعلي بن أبي طالب وخديجة.[32، 33]

الفرع الثاني: خديجة، أصل أهل البيت ومنبعهم

لما نزلت آية التطهير، أشار النبي إلى علي وفاطمة والحسن والحسين وقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي». ثم بيّن أن نسب جميع أفراد أهل البيت هؤلاء يرجع إلى خديجة: فالحسن والحسين ابنا فاطمة، وفاطمة ابنة خديجة، وعلي نشأ منذ صغره في بيت خديجة ثم صار صهرها.[34]

وفي تفسير الإمام الصادق عليه السلام لقوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾، قال إن هذا الحجاب بين الجنة والنار يقيمه محمد وعلي والحسن والحسين وفاطمة وخديجة عليهم السلام، وأنهم يعرفون شيعتهم بأسمائهم وأسماء آبائهم.[35، 36]

الفرع الثالث: «أزواجنا» و«أم المؤمنين» في القرآن الكريم

رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ سورة الفرقان، الآية 74

سأل النبي جبرئيل عن المقصود بهذه الآية، فأجاب جبرئيل: «خديجة». وقد وُصفت خديجة في هذه الآية بصيغة الجمع «أزواج»، إشارة إلى أن صفات وكمال الرفقة الزوجية الحقة تجسّدت فيها بتمامها.[37، 38، 39، 40]

ولهذا سُمّيت في قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (سورة الأحزاب، الآية 6) بـ«أم المؤمنين». وقال لها النبي الكريم:

يَا خَدِيجَةُ! أَنْتِ خَيْرُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَفْضَلُهَا وَسَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ

[41]

ويبيّن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه، في رواية مطوّلة، أن شرف اعتبارهنّ أمهات للأمة يبقى فقط لمن ثبتت من زوجات النبي على طاعة الله.[42، 43]

❖   ❖   ❖

الخاتمة

يقدّم هذا المقال صورة شاملة عن المقام الفريد للسيدة خديجة عليها السلام: نعمة إلهية خاصة وهبها الله لرسوله؛ ومصدر سكينة له؛ وحاملة نور فاطمة الزهراء؛ ومن نالت التحية الخاصة من الله وجبرئيل؛ وأول امرأة مؤمنة ومن أوائل المقرّبين بقبولها ولاية أمير المؤمنين؛ والتجسيد الكامل لعنوان «أم المؤمنين» في القرآن الكريم — مقام شريف افتخر به جميع الأئمة المعصومين عليهم السلام بانتسابهم إليها.

  1. مناقب آل أبي طالب، ج3، ص120
  2. تفسير فرات الكوفي، ج1، ص639
  3. بحار الأنوار، ج19، ص5
  4. جنة العاصمة، الفصل 15
  5. مستدرك عوالم العلوم، ج11، ص42
  6. بحار الأنوار الجامعة، ج16، ص78
  7. عوالم العلوم، ج11، ص53
  8. بحار الأنوار، ج43، ص124
  9. كشف الغمة، ج1، ص353
  10. عوالم العلوم، ج11، ص414
  11. بحار الأنوار، ج37، ص88
  12. الأمالي للشيخ الصدوق، ج1، ص435
  13. روضة الواعظين، ج1، ص120
  14. خطبة المفاخرة، لابن شاذان القمي، ص82
  15. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج10، ص266
  16. بحار الأنوار، ج24، ص316
  17. بحار الأنوار، ج44، ص318
  18. مناقب آل أبي طالب، ج3، ص305
  19. بحار الأنوار، ج17، ص225
  20. إثبات الهداة، ج1، ص267
  21. زاد المعاد، ج1، ص303
  22. بحار الأنوار، ج18، ص385
  23. البرهان في تفسير القرآن، ج3، ص493
  24. تفسير العياشي، ج2، ص279
  25. نور الثقلين، ج3، ص133
  26. بحار الأنوار، ج16، ص8
  27. كشف الغمة، ج1، ص508
  28. ريحانة الشريعة، ج2، ص204
  29. بحار الأنوار، ج18، ص231
  30. وسائل الشيعة، ج1، ص281
  31. إثبات الهداة، ج1، ص641
  32. بحار الأنوار، ج43، ص225 وج44، ص318
  33. تفسير فرات الكوفي، ج1، ص444
  34. سبل الهدى والرشاد، ج11، ص160
  35. بحار الأنوار، ج24، ص255
  36. تأويل الآيات الظاهرة، ص182
  37. بحار الأنوار، ج24، ص135
  38. تأويل الآيات الظاهرة، ص381
  39. تفسير فرات الكوفي، ص294
  40. تفسير القمي، ج2، ص117
  41. الخصال، ج2، ص418
  42. تفسير أهل البيت، ج12، ص36
  43. كمال الدين، ج2، ص459