سلسلة مباحث الكوثر | القسم الأول | إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ
بسم الله الرحمن الرحيم
القسم الأول
في هذه السلسلة، سنستكشف معارف كوثر القرآن، أي السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام.
إن المصطلح الوحيد الذي استعمل صراحة في القرآن الكريم اسما للسيدة الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام هو «الكوثر». أما اسم «الزهراء» واسم «فاطمة» فلم يذكرا مباشرة في القرآن الكريم.
وقد أشير إلى أسمائها الشريفة بصورة غير مباشرة في القرآن الكريم؛ إلا أن «الكوثر» ذكر بصورة مباشرة، لأن الكوثر يشتمل على جميع أسمائها.
ولكن ماذا يعني «الكوثر»؟
إن تفسير سورة الكوثر يشتمل على العديد من المباحث والنقاشات. وسنبدأ بالنظر في المعاني التي ذكرت للكوثر في كتب التفسير القرآني.
في تفسير علي بن إبراهيم القمي، فسر الكوثر بأنه نهر في الجنة، وهبه الله لنبيه الكريم صلى الله عليه وآله عوضا عن ابنه إبراهيم الذي توفي.
وفي كنز الدقائق وتفسير الصافي، فسر الكوثر بأنه الخير الكثير، بما يشمل العلم والعمل، والنبوة والكتاب، والشرف في الدارين، والذرية الطيبة.
ويذكر العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان ستة وعشرين معنى للكوثر، من بينها الخير الكثير، ونهر في الجنة، وحوض النبي، والقرآن، والنبوة، والعلم، والحكمة، وغيرها. ويفسر الكوثر في موضع آخر بأنه أبناء السيدة فاطمة عليها السلام وذريتها.
وفي تفسير مجمع البيان، وصف الكوثر بأنه على وزن «فوعل» الصرفي، ومشتق من جذر يدل على الكثرة؛ ومن ثم فالكوثر هو «الخير الكثير».
ولكن من بين هذه المعاني الكثيرة، هل يمكننا أن نجد معنى واحدا يشملها جميعا؟
في أصول الفقه الإسلامي، هناك أصل يعرف بـ«العموم والخصوص».
فعندما تكون بين مفهومين علاقة العموم والخصوص، يكون أحدهما عاما والآخر خاصا، ويمكن للمعنى العام أن يشمل جميع المعاني الخاصة.
ومن بين الألفاظ التي استخدمت لبيان معنى الكوثر، يوجد معنى واحد يمكن أن يكون المعنى العام الذي يشمل جميع المعاني الأخرى:
«الخير الكثير»
وهذا هو المعنى الذي أشارت إليه هذه التفاسير؛ أي الخير بمعناه المطلق.
وفي اللغة العربية أيضا، تدل «الـ» في «الكوثر» على الاستغراق والشمول.
فالآية الكريمة لا تقول:
بل تقول:
فالكوثر يعني «الخير الكثير»؛ أي الخير المطلق الذي يشمل جميع أنواع الخير.
وهكذا، في المرحلة الأولى من فهم معنى «الكوثر»، نصل إلى كلمتين:
«الخير» و«الكثرة»
والآن علينا أن نتأمل في معنى «الخير» عندما يطلق على السيدة الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام.
ومن معاني الكوثر «حوض الكوثر»؛ أي ماء الولاية الجاري، والماء العذب الزلال الذي نفخ في وجودنا في عالم ألست وعالم الذر، أي الماء والروح.
ومن معاني الكوثر أيضا «المشكاة الفاطمية»؛ وهي المشكاة التي انبعثت منها أنوار السماوات والأرض.
ومن معاني الكوثر أيضا ما يتجلى في عنوان «أم الأئمة والأبرار»، أي أم الأئمة.
ولفظ «الأم» نفسه يحمل معاني متعددة، ومنها «أم الكتاب» التي نجد معناها في القرآن الكريم.
وهناك معنى آخر للأم يرتبط بمفهوم الكوثر بوصفه «نهرا»، لأن من معانيه «الحوض» ومن معانيه أيضا «النهر»؛ وهو نهر يشير إلى الولاية، أي المصدر الذي تجري منه الولاية وتنتشر.
وفي الأجزاء القادمة من هذه السلسلة، سنتناول كل واحد من هذه المعاني على حدة، ثم ننتقل إلى معاني «الأم».
- ١. سورة الكوثر المباركة، الآية ١: «إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ»
- ٢. تفسير علي بن إبراهيم القمي، ج ٢، ص ٤٤٧
- ٣. تفسير كنز الدقائق، ج ١٤، ص ٤٦٠
- ٤. تفسير الصافي، للملا محسن الفيض الكاشاني، ج ٥، ص ٣٨٢
- ٥. تفسير الميزان، ج ٢٠، ص ٥٢١
- ٦. تفسير مجمع البيان، ج ١٠، ص ٧٠٢